السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
291
مفاتيح الأصول
إجماعا بما علم فيه عدم الفارق للاختلاف في الأحكام وهاهنا لم يعلم وفي المعراج إن ثبت قوله عليه السلام حكمي إلى آخره كان حكم سائر المكلفين حكم ذلك لمكلف وحينئذ فهذا التقرير ناسخ لا مخصص والحمد للَّه ربّ العالمين أولا وآخرا وظاهرا وباطنا تمت بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم باب الأحكام الشرعية والتكاليف الدينية وشرائطها قال اللَّه عزّ وجل ومن لم يحكم بما أنزل اللَّه فأولئك هم الكافرون مقدّمة اختلفوا في تعريف الحكم الشرعي ففي التهذيب الحكم خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلَّفين بالاقتضاء أو التخيير أو الوضع وفي النهاية اختلف الناس هنا فالمعتزلة القائلون بحسن الأشياء وقبحها عقلا ذهبوا إلى أن الحكم صفة للفعل في نفسه والأشاعرة منعوا من ذلك وجعلوه أمرا شرعيا لا صفة حقيقته للفعل واختلفوا في تعريفه فقال الغزالي إلى أنه خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلَّفين وقال آخرون زيادة على ذلك بالاقتضاء والتخيير وقال بعضهم الحكم خطاب الشارع المفيد فائدة شرعية وقبل خطاب الشرع بفائدة شرعية تختص به أي لا يفهم إلا منه لأنه إنشاء فلا خارج له وهذه الحدود كلها باطلة عندنا لأن الحكم ليس هو الخطاب بل المستفاد منه فإن الحكم ليس قول الشارع أوجبت عليك بل نفس الوجوب المستفاد من ذلك الخطاب وفي الزبدة الحكم الشرعي طلب الشارع من المكلف الفعل أو تركه مع استحقاق الذّم بمخالفته أو بدونه أو تسويته بينهما لوصف نقض لذلك فعلمت الأحكام الخمسة بحدودها مفتاح لا إشكال ولا شبهة في أن متعلَّق الحكم الشرعي لا يكون إلا الفعل فلا يتعلَّق بالأعيان الخارجية فلو تعلق بها كما في قوله تعالى حرمت عليكم الميتة فيجب التأويل فيه واختلفوا في تعريف الفعل على ما يظهر من المنية فإنه قال عرف المعتزلة الفعل بأنّه ما وجد بعد أن كان مقدورا والأوائل بأنه مبدأ التغير في آخر وبعض العلماء بأن صرف الشيء من الإمكان إلى الوجوب انتهى ثم إن الفعل باعتبار تعلق الحكم الشرعي به يتصف بصفات كثيرة منها الوجوب وهو لغة يستعمل في معنيين أحدهما السقوط كما صرّح به في النهاية والمنية والإحكام والمختصر وشرحه وأما في الاصطلاح فقد اختلفت العبارات في بيانه ففي المنية أما في عرف الفقهاء فالوجوب عبارة عن الخطاب الشرعي المتعلَّق بأفعال المكلَّفين باقتضاء الوجود المانع من العدم وفي شرح المختصر وفي الاصطلاح هو خطاب بطلب فعل غير كف ينهض تركه في جميع وقته مسببا للعقاب وفي الإحكام وأما في العرف الشرعي فقد قيل هو ما يستحق تاركه العقاب على تركه وقيل ما توعد بالعقاب على تركه وقيل هو الَّذي يخاف العقاب على تركه ثم قال وهذه الحدود ليست حدا للحكم الشرعي وهو الوجوب بل للفعل الَّذي هو متعلَّق الوجوب والحق في ذلك أن يقال الوجوب الشرعي عبارة عن خطاب الشارع بما ينتهض تركه سببا للذم شرعا في حالة ما وبالجملة فلا بدّ في الوجوب من ترجيح الفعل على الترك بما يتعلَّق به من الذّم أو الثواب الخاص به فإنه لا تحقق للوجوب مع تساوي طرفي الفعل والترك في الغرض وربما أشار القاضي أبو بكر إلى خلافه انتهى ثم إن الفعل إذا اتصف بالوجوب صار واجبا وقد اختلفت العبارات في تفسيره وتعريفه ففي المعارج الواجب ما للإخلال به مدخل في استحقاق الذّم وفي التهذيب والمبادي وشرحه الواجب ما يذم تاركه وزاد في الأول كما في النهاية ولا يرد الخبر والموسع والكفاية لأن الواجب في المخبر والموسع الكلي وفي الكفاية فعل كلّ واحد يقوم مقام الآخر فكان التارك فاعلا ويزاد في الحد لا إلى بدل وفي النهاية أما الواجب في العرف الشرعي فعند المعتزلة أن الواجب ما يستحق تاركه الذّم أو ما يستحق العقاب بتركه أو ما يكون على صفة باعتبارها يستحق فاعله المدح وتاركه الذّم أو ما يكون تركه في جميع وقته سببا للذم وأما الأشاعرة فقد رسمه القاضي أبو بكر بأنه ما يذم تاركه شرعا على بعض الوجوه والأقرب أن نقول الواجب ما يذم تاركه عمدا مختارا وفي المنية أجود رسوم الواجب ما نقل عن القاضي أبي بكر وهو قوله الواجب ما يذم تاركه شرعا على بعض الوجوه وهذا الرّسم ارتضاه فخر الدين الرازي وأكثر المتأخرين من الأشاعرة واعلم أن الذم قول أو فعل أو ترك فعل أو ترك قول منبئ عن اتضاع حال الغير والاتضاع انخفاض المنزلة وفي الزبدة الواجب ما يستحق تاركه الذّم لا إلى بدل وفي المختصر وما يعاقب تاركه مردود بجواز العفو وما أوعد العقاب على تركه مردود بصدق إيعاد اللَّه وما يخاف مردود بما يشك فيه انتهى واعلم أنهم اختلفوا في أن لفظ الفرض هل يكون مرادفا للفظ الواجب أو لا على